محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
356
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
عنهما : « . . . وليكن أنسك باللّه وانقطاعك إليه ؛ فإنّ للّه عبادا استأنسوا باللّه . فكانوا في وحدتهم أشدّ استئناسا من الناس في كثرتهم ، وأوحش ما يكون الناس آنس ما يكونون ، وآنس ما يكون الناس أوحش ما يكونون . وأنت الذي هديتهم حتى استبانت لهم المعالم . لما تولّى اللّه هدايتهم إلى طريق التوحيد والمعرفة أبان لهم علامة ذلك ودلائله ، فعند نظرهم في تلك العلامات والأدلة انشرحت صدورهم بأنوار الإيمان واليقين ، فلم يتداخلهم شك ، ولم يخالجهم ريب . والمعالم : جمع « معلم » كأنه - رحمه اللّه تعالى - عرض في هذه الكلمات بالمطلب الذي بحصوله له يستغنى عن الطلب ، وهو إشراق الأنوار في قلبه ، وإزالة الأغيار عن سرّه ، وإيناسه له ، وهدايته إياه . وهذه الأربعة مطالب متضمنة لأسنى الرغائب . ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك . قد تقدّم ، غير ما مرّة ، أن ما سوى اللّه تعالى عدم وظلمة ، وأن الوجود الحق والنور المتحقق إنما هو اللّه عزّ وجل . فإذا كان الأمر على هذا صحّ ما قاله المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، هاهنا . وكان حقّا لا مرية فيه . قال أبو علي الروذباري ، رضي اللّه عنه : سألني أبو بكر الدقاق ، رضي اللّه عنه ، فقال لي : يا أبا عليّ ، لم ترك الفقراء أخذ البلغة في وقت الحاجة ؟ فقلت : لأنهم يستغنون بالمعطي عن العطاء . فقال : نعم ، ولكن وقع لي شيء آخر . فقلت : هات أفدني ما وقع لك ؟ فقال : لأنهم قوم لا ينفعهم الوجود ؛ إذ اللّه فاقتهم ، ولا يضرهم الفاقة إذ اللّه وجودهم » . وكان أبو حمزة البغدادي ، رضي اللّه تعالى عنه ، يقول في مناجاته : « اللهم إنك تعلم أنى من أفقر خلقك إليك ؛ فإن كنت تعلم أن فقري إليك بمعنى هو غيرك ، فلا تسدّ فقري » . لقد خاب من رضي دونك بدلا ، ولقد خسر من بغى عنك متحولا .
--> - التابعين ، له كلمات في الحكمة مأثورة ، وأخبار ، ثقة في ما رواه من الحديث ، ولد في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم كانت إقامته ووفاته في البصرة . ( الأعلام 7 / 250 ، وحلية الأولياء 2 / 198 ، وتهذيب الكمال 18 / 143 ) .